عبد الله بن عبد اللطيف الفوزان.. عطاءٌ يبقى أثرُه

مقال رأي

2026-11-08T12:00:00.194Z

يتناول المقال سيرة عبدالله بن عبداللطيف الفوزان (أبو مشعل) كأنموذج لرجل أعمال جعل من خدمة مجتمعه معنى للنجاح. يبرز الكاتب أثره في تأسيس مبادرة «إطعام» لحفظ النعمة الغذائية، ودعمه لها بوقف مبنى يضمن استمراريتها. كما يس…

أعرف أبا مشعل، عبدالله بن عبداللطيف الفوزان، جيدًا، وأعرف فيه روح الإنسان المعطاء الذي يجد في خدمة مجتمعه معنى للنجاح وقيمة له. وحين أكتب عنه، فإنني أكتب من واقع معرفة وتقدير لرجل له حضوره البارز في المنطقة الشرقية، وله في أعمال الخير والمبادرات الاجتماعية أثر يستحق أن يُذكر ويُشكر.

في أبي مشعل تتجلى خصلة جميلة؛ أن يتسع اهتمام الإنسان لما يتجاوز أعماله الخاصة، وأن يرى في قدرته على العطاء مسؤولية تجاه الآخرين. وهذه، في تقديري، من أرفع صور النجاح؛ فالأعمال تكبر بأرقامها، أما الرجال فيكبرون بما يتركونه في حياة الناس من خير، وما يفتحونه أمام مجتمعهم من أبواب نفع.

وأتذكر إسهامه مع نخبة من رجال الأعمال في تأسيس «إطعام»، تلك المبادرة التي حملت رسالة حفظ النعمة، وحوّلت الشعور بالأسف على هدر الطعام إلى عمل منظم يسعى إلى صونه وإيصاله إلى مستحقيه. كان في هذه الخطوة إدراك لحاجة المجتمع إلى مؤسسات تتولى تحويل القيم التي نؤمن بها إلى ممارسة يومية، يشارك فيها المتبرع والمتطوع والمستفيد.

ولعل أجمل ما في فكرة «إطعام» أنها تعيد إلى علاقتنا بالنعمة شيئًا من الوعي والمسؤولية. فما يزيد عن حاجتنا قد يسد حاجة غيرنا، وما نتساهل في هدره قد يمثل لأسرة أخرى وجبة تنتظرها. ومن هنا، أرى أن قيمة هذا العمل تمتد إلى تربية المجتمع على احترام النعمة، وإشراك أفراده ومؤسساته في حفظها.

وقد ترجم أبو مشعل اهتمامه باستمرار هذه الرسالة إلى دعم ملموس، من ذلك تبرعه بمبنى «إطعام» وقفًا خيريًا؛ وهي خطوة تعبّر عن فهم لأهمية أن يجد العمل الاجتماعي ما يعينه على الاستمرار والتطور. فالمبادرة تحتاج إلى من يطلقها، وتحتاج كذلك إلى من يهيئ لها أسباب البقاء.

وفي «ارتقاء»، التي تولى رئاسة مجلس إدارتها، تتجلى زاوية أخرى من هذا الاهتمام؛ حفظ النعمة الرقمية من خلال إعادة تأهيل الحواسيب، وإتاحتها للجهات المستفيدة، إلى جانب إعادة تدوير المخلفات الإلكترونية. إنها فكرة تمنح الأجهزة فرصة جديدة للنفع، وتجمع بين خدمة المجتمع والمحافظة على البيئة.

وأجد في هذه الفكرة بُعدًا إنسانيًا يستحق التأمل؛ فجهاز حاسب لم يعد صاحبه بحاجة إليه قد يفتح لغيره بابًا للتعلم واكتساب المهارات. وحين تتوافر الجهة التي تستقبله وتؤهله وتوصله إلى من ينتفع به، فإننا نحفظ قيمة موجودة، ونوسّع دائرة المستفيدين منها. هكذا يصبح الوعي باحتياجات الناس مصدرًا لأفكار بسيطة في أصلها، كبيرة في أثرها.

وبين «إطعام» و«ارتقاء» أرى خيطًا يجمع التجربتين: الانتباه إلى ما نملكه من نعم، وحسن توجيهها لتؤدي دورًا أكبر في حياة المجتمع. وهذا ما أقدّره في عطاء أبي مشعل؛ اهتمامه بالفكرة التي يمكن أن تتسع، وبالعمل الذي تستطيع المؤسسات والفرق والمتطوعون أن يحملوا رسالته ويواصلوا تطويره.

والمنطقة الشرقية، بما عُرف عن أهلها من تكافل ومبادرة، تعتز بأبنائها الذين يسهمون في خدمة مجتمعهم. وأبو مشعل، في نظري، أحد الأسماء التي تستحق هذا الاعتزاز؛ لما يمثله من حضور اجتماعي وعطاء يتصل بحاجات الناس، ويمنح المسؤولية الاجتماعية مضمونًا نراه في أعمال قائمة وأثر ممتد.

قد تحمل شهادتي فيه محبةً وتقديرًا، وهذا أمر أعتز به، لكنني أؤمن كذلك بأن الوفاء لأهل العطاء واجب، وأن الحديث عن تجاربهم يمنح المجتمع أمثلة تستحق الاقتداء. فنحن بحاجة إلى أن نروي قصص الخير، وأن نُظهر ما وراء المبادرات النافعة من إيمان وجهد ورجال أخذوا على عاتقهم خدمة الآخرين.

شكرًا أبا مشعل على ما قدمت وتقدم. تبقى المحبة التي يصنعها العطاء في قلوب الناس من أثمن ما يحصده الإنسان في حياته، ويبقى الخير الذي يعين الآخرين، ويحفظ النعمة، ويفتح بابًا للنفع، سيرةً طيبة تتحدث عن صاحبها.