ما وراء المشهد.. قراءات في الإنسان والمجتمع

مقال رأي

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

يسلط المقال الضوء على ضرورة تجاوز القشور الظاهرة للأمور لإدراك جوهر الإنسان والمجتمع بمزيد من العمق؛ إذ يختبئ خلف الأفعال والتصرفات خبايا وقيم والتزامات غير مُعلنة. كما يتطرق إلى انعكاسات التطور التقني على الروابط البشرية، وضرورة الاعتماد في التربية على القدوة الحية بدلاً من الاكتفاء بالوعظ، فضلاً عن الدور المحوري للأسرة والمدرسة و…

حين نتخطى قشور الأشياء، ندرك أن وراء كل لقطة حكاية، وخلف كل سلوك هوية ثقافية، ووراء كل تحول تبعة ومسؤولية.

ليست الحياة دائماً كما نراها في مظهرها الخارجي؛ فخلف الوجوه المجاورة لنا أسرار خفية، وتحت سطح الأحاديث العابرة مشاعر تفتقر لمن يترجمها، وفي تفاصيل اليوم المعتادة تختبئ مسائل أعظم من أن تُختزل في موقف عابر أو يُحكم عليها بنظرة متسرعة.

فكم من فرد يظهر بسكينة وهدوء، بينما يكتنف داخله عوالم من الاختبارات والصعاب، وكم من ابتسامة تواري خلفها قصة تحمل جلداً طويلاً، وكم من إنسان لا يتصدر المجالس غير أنه يترك في النفوس بصمة تعجز عنها كثرة الأقوال أو بهرجة الحضور.

في إحدى الجلسات، قد تلاحظ شخصاً مقلاً في حديثه، لا يلهث خلف جذب الانظار ولا ينافس الحضور على مساحة الكلام، لكنه متى نطق استمع الجميع لما يفيض به لسانه من حكمة وخبرة.

وفي جلسة أخرى، قد يطغي حضور أحدهم وكثرة كلامه على المكان، ثم يرحل مخلفاً فراغاً لا يترك في الذاكرة شيئاً يستحق البقاء.

وبين هذين النموذجين، تبرز حقيقة بشرية تستوجب التأمل؛ وهي أن قيمة المرء لا تُقاس بما يعرضه للناس أو بما يحوز عليه من مظاهر، بل بما يخلفه في وجدانهم من أثر، وبما يضفيه على الحياة من مغزى، وبما يترجمه من قيم في معاملاته.

ومن هنا تنطلق ضرورة سبر أغوار ما وراء المشاهد؛ فالمجتمعات لا تُستقراء عبر أحداثها الجسام وحدها، ولا بما يدور في المجالس وشبكات التواصل، بل تُقرأ من ثنايا تفاصيلها اليومية، ونمط الروابط بين أبنائها، ودرجة إدراكهم، وكيفية تعاطيهم مع الاختلافات، ومدى تجذر القيم في أفعالهم.

وعليه، فإن الواقع الاجتماعي ليس مجرد صورة عابرة، بل هو مرآة لثقافة تتكون، وقيم تتوارث، وتحولات تحتم علينا الوقوف والتدبر.

ولعل أبرز ما يستوجب التوقف عنده في زماننا هذا تلك المتغيرات المتسارعة التي صاغت أشكالاً جديدة للعيش والتواصل البشري.

لقد قربت التكنولوجيا المسافات ومهدت للناس سبل الوصول إلى المعرفة والتواصل، غير أنها كشفت في المقابل عن مفارقة مثيرة للاهتمام؛ فكلما زادت أدوات الاتصال، ضمر لدى البعض فن التواصل الحقيقي.

بات بمقدور الشخص التواصل مع أعداد غفيرة من البشر في طرفة عين، لكنه قد يعجز عن منح الجالس بقربه لحظات معدودة من الإنصات والاهتمام.

ونشاهد هذا جلياً في صلب المنازل؛ إذ تلتئم الأسرة حول مائدة الطعام بينما تلتصق الأبصار بشاشات الجوالات، ويضمحل الحديث المشترك لصالح انغماس كل فرد في عالمه الافتراضي.

ونلمس ذلك أيضاً في تجمعات الأصدقاء، حيث تتجاور الأجسام بينما تهيم العقول في بقاع نائية.

تلك ليست أزمة تقنية في جوهرها، بل هي أزمة وعي وسلوك؛ فالتكنولوجيا لم تسلبنا دفء العلاقات، بل نحن من نحتاج إلى ضبط علاقتنا بها لئلا تنقلب الوسيلة المخصصة لتقريب القلوب إلى جدار يعزل بينها.

وهذا لا يعني البتة نبذ التطورات المعاصرة أو التعامل معها كمحذورات، بل يقتضي منا امتلاك الوعي لاستثمار محاسنها دون أن نضيّع إنسانيتنا في غمارها.

فاحتياجاتنا اليوم لا تقتصر على المزيد من قنوات الاتصال، بل تتعداها إلى إرساء ثقافة رقمية متوازنة تعيد الاعتبار للحوار الأسري واللقاءات الحية واحترام الزمن، وتمكن الإنسان من الحضور مع محيطه بوجدانه واهتمامه لا ببدنه فحسب.

وهذا التحولف يفضي بنا حتماً إلى معضلة أعمق ترتبط بكيفية إعداد الأجيال الناشئة لمواجهة هذه المتغيرات؛ فلم تعد التربية مقتصرة على التلقين المعرفي أو التوجيه المجرد، بل غدت تبعة تستوجب إدراك كنه العصر واستيعاب التغيرات النفسية والاجتماعية للشباب.

فعلى سبيل المثال، نرى أباً يبذل قصارى جهده لتأمين متطلبات أبنائه وضمان مستقبلهم، لكنه قد يسهى عن حقيقة أن أثمن ما يبتغيه الأبناء ليس ما يُشترى بالأموال، بل ما يُغرس في وجدانهم من قيم وما يعاينونه في أفعال قدوتهم.

فالطفل الذي يسمع أباه وأمه يحثان على الصدق ثم يراهما يأتيان بخلافه، لن يتعلم من النصيحة قدر تأثره بالموقف الفعلي.

والناشئ الذي يُطالب باحترام الآخرين بينما يعاين السخرية منهم والتقليل من قدرهم في بيئته، سيعاني لكي يستوعب مدلول الاحترام الحقيقي.

وعليه، فإن التربية الحقّة لا تنطلق مما ننطق به لأبنائنا، بل مما نمثله أمامهم؛ فالقدوة تسبق الإرشاد، والفعل أبقى من الموعظة، والممارسة اليومية هي الجسر الذي يعبر بالقيم من كلمات مسطورة إلى ثقافة متأصلة.

ولا يمكن إلقاء عبء بناء الأجيال على كاهل الأسرة وحدها، فالتربة صرح متكامل تتشاطر مسؤوليته البيت والمدرسة والمجتمع والإعلام.

فالمدرسة التي تغرس مفاهيم المسؤولية والنظام بحاجة إلى بيئة مجتمعية تدعم تلك القيم، والإعلام الذي يوجه الناشئة نحو السلوك القويم بحاجة إلى أمثلة واقعية تجسد مبادئه.

كما يفتقر الأبناء إلى بيئة آمنة تتيح لهم الحوار والتعبير، وإلى من يصغي إليهم ويفهم تساؤلاتهم عوضاً عن الاكتفاء بإعطاء الأوامر وإطلاق الأحكام.

إن الإصلاح التربوي ينطلق حين نعي أن بناء الإنسان لا يُستتب بالرهبة وحدها، بل بالوعي، والقدوة، والاحتواء، والاضطلاع بالمسؤولية.

وحين نتأمل دور التربية في صياغة السلوك، نصل إلى ركيزة أخرى لا تقل شأناً، ألا وهي الأخلاق؛ تلك التي لا تُختبر في العبارات المنمقة ولا في المواقف المرئية للجميع، بل في الساعات التي يخلو فيها المرء بضميره.

أن ترد مظلمة لا يبصرك فيها أحد، وأن تحفظ عرض إنسان في غيابه، وأن تنصف خصمك، وأن تعتذر عند الزلل، وأن تبذل المعونة دون ترقب لمقابل؛ مواقف تبدو في ظاهرها يسيرة، لكنها تكشف كنه ما استقر في النفس من مبادئ وأخلاق.

وفي المقابل، يؤسفنا أن تتحول بعض الأواصر الاجتماعية إلى حلبات للمقارنة والتفاخر بالمظهر، وأن يغدو تقييم الإنسان محكوماً بما يملكه، أو يرتديه، أو يظهره عبر منصات التواصل، عوضاً عن الاعتبار لأخلاقه، ومواقفه، وبصماته.

وربما نصادف أناساً يغرقون في مظاهر الثراء، بيد أنهم عراة عن أبسط معاني الغنى الإنساني، في حين نلفي آخرين لا يملكون من حطام الدنيا إلا اليسر، لكنهم يغمرون من حولهم بالكرم والوفاء والاحتواء بما يضفي على حضورهم طابعاً استثنائياً.

وهنا تبرز الحاجة الملحة لتقويم بعض معاييرنا المجتمعية وإعادة الاعتبار للجوهر الحقيقي للإنسان.

فليس النجاح أن يثني عليك الناس، بل أن يلمسوا في معاملتك ما يستوجب الاحترام، وليس التفوق أن تسبق غيرك، بل أن تخلف وراءك أثراً حسناً في دروب حياتهم.

والمجتمع الذي تطغى فيه المظاهر على الجواهر، والأقوال على الأفعال، والمصالح على المبادئ، هو مجتمع بحاجة إلى وقفة حاسمة لتصويب أولوياته الأخلاقية، والتأكيد على أن الرقي الحق ينبثق من إجلال الإنسان والحفاظ على عزته.

ومن أصدق الشواهد على درجة الرقي المجتمعي، أسلوب تعاطيه مع الشرائح التي تبتغي مزيداً من العناية؛ كالمسنين الذين قد يترقبون زيارة خاطفة بأشد مما يترقبون هدية فاخرة، ومع إنسان أنهكته نوائب الدهر ولا يبتغي سوى كلمة طيبة، ومع شاب يفتش عمن ينصت إليه دون محاكمة، ومع عائلة ترزح تحت وطأة ابتلاء صحي أو اجتماعي وتترقب لفتة صادقة تخفف عنها بعض أثقالها.

هذه المواقف ليست زوائد هامشية في نسيج المجتمع، بل هي المقياس الحق لمدى تجذر الرحمة والتضامن والمسؤولية بين أبنائه.

وما أشد افتقارنا إلى التروي قبل إصدار الأحكام على الآخرين؛ فليس كل صامت متكبرًا، ولا كل متعثر مهملًا، ولا كل غياب مقصوداً، ولا كل من تتبدلت ظروفه قد تنكرت أخلاقه.

فخلف الكثير من الأفعال بواعث نجهلها، وتحت سطح بعض المواقف ظواهر لا تبصرها العيون، وعليه فإن التماس الأعذار، وصون الخصوصيات، والنأي عن التنمر والسخرية ليست مجرد إتيكيت اجتماعي، بل هي سلوكيات مدنية تترجم نضج المجتمع ووعيه.

فالإصلاح الاجتماعي لا ينطلق حتمًا من المشاريع العملاقة ولا ينتظر تدابير استثنائية لكي يتبلور؛ بل قد ينطلق من أب يرمم جسور صلته بأولاده، أو أم تفسح لأبنائها مجالا للحوار، أو معلم يزرع في تلاميذه احترام التباين، أو شاب يبادر لنجدة جاره، أو إنسان يؤثر الكلمة الطيبة على التجريح.

وقد ينطلق من حي يتكاتف أهله، أو جهد تطوعي يستمر بعد انقضاء المناسبة، أو منبر إعلامي ينتقي إبراز النماذج المضيئة عوضاً عن التمادي في تضخيم السلبيات.

إننا لست بحاجة إلى مجتمع مطهر من الخطايا، فهذا محال في دنيا البشر، لكننا بحاجة ماسة إلى مجتمع يمتلك شجاعة الاعتراف بالزلل، والقدرة على تقييم المسارات، والاستعداد للارتقاء بالذات. مجتمع يربي ناشئته على التفكير لا التلقين المجرد، وعلى احترام الاختلاف لا إقصاء المخالف، وعلى تثمين العمل والإتقان عوضاً عن الانشغال بالمظاهر، وعلى المبادرة وتحمل التبعات بدلاً من اتكال الأيدي على الآخرين.

وعلاوة على ذلك، نحن بحاجة إلى خطاب إعلامي ومجتمعي أكثر اعتدالاً، يفكك الظواهر بعمق، ويميز بين النقد البناء والإساءة، ويطرح الحلول عوضاً عن الاكتفاء بالتراشق بالتهم.

فليس الغاية من مقاربة المشكلات اقتناص المخطئ، قدر ما ينبغي أن ترتكز على استجلاء الأسباب، واستيعاب السياقات، وطرح البدائل العلاجية التي تحول دون تكرارها.

فالنقد العقيم الذي لا يفضي إلى إصلاح ينقلب إلى ضوضاء، والوعي المنفصل عن السلوك يغدو معرفة معطلة بلا جدوى.

إن المجتمعات لا تعلو بكثرة خطبها عن الفضيلة، بل بقدر ما تبدل تلك الفضيلة إلى سلوك يومي، ولا تتقدم بما ترفعه من شعارات، بل بما تبنيه من فرص، وما تصونه من قيم، وما ترسخه لأبنائها من بيئة تصون كرامتهم وتمنحهم طاقة ال…