هل للإمعية شكل واحد؟

مقال رأي

2026-11-06T06:30:00.147Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

يتناول المقال ظاهرة الإمعية على أنها سلوك لا يقتصر على ترديد الآراء فحسب، بل يمتد ليشمل شتى تفاصيل الحياة اليومية؛ كالأسفار، وأساليب الحديث، والموضة، والجراحات التجميلية، وخيارات الطعام والشراب. ويبيّن الكاتب كيف يُصبح التقليد المعيار الأساسي للاختيار، مما يغيب معه التفكير المستقل.

يعتقد بعض الناس أن الإمعية فكرية فقط؛ أن يردد الإنسان آراء الآخرين دون تفكير. ولكن من يتأمل أحوال المجتمعات يدرك أن الإمعية متعددة الأشكال؛ تظهر في السفر، واللغة، والأزياء، والتجميل، والطعام والشراب. وقد يظن الإنسان أنه يختار لنفسه، بينما يترك للآخرين اختيار تفاصيل حياته، وينسى أن له ذوقًا وشخصية وطريقًا يميزه؛ كما قال البارودي:

أسيرُ على نهجٍ يرى الناسُ غيرَهُ

لكلِّ امرئٍ فيما يحاولُ مذهبُ

  1. إمعية السفر: يسمع أحدهم أن الناس يسافرون إلى بلد معين، فيحجز تذكرته قبل أن يسأل: ماذا أريد من هذه الرحلة؟ وهل تناسب اهتمامي وميزانيتي؟ تصبح الوجهة مرغوبة لأن الآخرين ذهبوا إليها، ويعود بصورة تشبه صورهم، وتجربة لم يسأل نفسه إن كانت تستحق وقته وماله.
  2. الإمعية اللغوية: تتناقل الألسنة عبارات مثل: «حرفيًا»، و«اللي قاعد يصير»، و«ما عندك مشكلة»، و«بكل بساطة»، و«بلا مبالغة»، و«خارج الصندوق»، و«من الآخر». وليست هذه العبارات سواء في سلامة تركيبها أو فائدتها؛ إنما يظهر التقليد حين تقال بلا وعي بالسياق: يصف أحدهم أمرًا مجازيًا بأنه حدث «حرفيًا»، ويقدم مبالغة بعد قوله «بلا مبالغة»، ويستعير «خارج الصندوق» دون أن يقدم فكرة جديدة. وهكذا يسبق اللسان المعنى، ويصبح الكلام صدى لكلام الآخرين.
  3. إمعية الأزياء: يظهر تصميم جديد، فتتسابق إليه الأيدي، ولا سيما في أزياء النساء؛ كأن الأناقة لا تتحقق إلا بتشابه الخزائن. يختفي السؤال عن الملاءمة والذوق والراحة، ويتقدم سؤال واحد: هل يرتديه الناس؟ وليس جمال الثوب في كثرة من يرتدونه، بل في مناسبته لصاحبه.
  4. إمعية عمليات التجميل: حين يصبح الوجه الرائج قالبًا مطلوبًا، تتقارب الأنوف كأنها صافرات حكم خرجت من مصنع واحد، وتتشابه الشفاه كحبات كرز توشك أن تسقط من غصنها. والمقصود نقد القالب الذي يسوق بوصفه المثال الوحيد للجمال؛ إذ يتحول الوجه من توقيع شخصي إلى نسخة مكررة، وتضيع الملامح التي كانت تمنح صاحبتها فرادتها.
  5. إمعية الأكل والشرب: يزدحم مطعم لأن الناس ازدحَموا عليه، وتشتهر قهوة لأن الصور امتلأت بأكوابها. وقد يقف المرء طويلًا ليذوق ما لم يرغب فيه أصلًا؛ يكفيه أنه رائج. وهنا تتغذى الإمعية والرواج أحدهما من الآخر: يجذب الرائج المقلدين، ويزيد المقلدون رواجه، وإن كان انتشار الشيء وحده لا يجعل اختياره إمعية؛ فقد ينتشر لجودته واستحقاقه.

حسنًا، ماذا بقي؟

بقي القول: يا طالب التميز، الالتزام بالقوانين يحفظ انتظام الحياة، أما ذوقك ولسانك وملامحك ومائدتك فلا تسلمها للجموع دون سؤال. ابحث عما يفيدك، وأفسح للإبداع مكانًا في اختياراتك، ولا تجعل مخالفة الناس غاية أخرى تقلدها. اختر بوعي؛ حتى لا تكون جزءًا من قطيع يتبع بعضه بعضًا، ولو انتهى به الطريق إلى جحر ضب.