زملاء العمل.. نعمة أم نقمة؟
مقال رأي
تاريخ النشر: 2026-11-06T03:00:00.115Z
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
تضيء هذه المقالة على مدى أهمية الروابط بين زملاء المهنة، إذ قد تمثل منبعاً للبهجة أو الضيق. إن التفاعل الإيجابي والتكاتف بين الأفراد يُعدان الركيزة الأساسية لمحيط عمل سليم، لما لذلك من انعكاس مباشر على رضا العاملين ومستوى الخدمة المقدمة للمستفيدين.
زملاء العمل… إما نعمة أو نقمة ؟
لا يقتصر محيط العمل على كونه مجرد جدران ومكاتب وأجهزة وواجبات تؤدى، ولا يقف عند حدود الساعات التي نقضيها في تنفيذ المهام الوظيفية فحسب، بل هو فضاء بشري تتبلور ملامحه عبر التفاعلات والصلات اليومية المتبادلة بين العاملين.
في أحيان كثيرة، يصبح الزميل واحداً من أهم ينابيع البهجة والرضا والسرور، بينما قد يتحول ذلك الشخص ذاته – نتيجة سوء خلقه، وسلبيات تصرفاته، وكلماته المؤذية – إلى مصدر رئيسي للضغط والشقاء. ومن هنا يبرز تساؤل جدير بالتفكير والتأمل: هل نمثل نحن الزملاء بيئة بهيجة يسرنا جميعاً الاجتماع فيها؟ أم أننا نكتفي بإنجاز الواجبات المفروضة دون أدنى اكتراث بالجانب النفسي لبعضنا البعض؟
إن الكلمة الطيبة، والابتسامة الصادقة، والتحية الدافئة، والأسلوب الراقي في بيئة العمل لا تعد مجرد تصرفات عابرة خلال المسار الوظيفي، بل هي أفعال بناءة تحدث فارقاً هائلاً في حياة المحيطين بنا وفي جودة بيئة العمل ذاتها. فكم من موظف استهل يومه مثقلاً بالأعباء والهموم، ثم انقلبت تلك الهموم بهجة بفضل ابتسامة أو كلمة تشجيع من زميل مساند للخير أو مدير معطاء لفريقه. وكم من شخص استعاد شغفه بالمهنة بسبب عبارة تقدير لم تكلف قائلها شيئاً، غير أنها كانت تعني الكثير للمتلقي.
ولا تتوقف مسؤولية الزملاء عند نطاق المشاعر والأقوال، بل تتعداها إلى التكاتف والتعاون، وتقاسم الأعباء الوظيفية، وتوزيع المهام بميزان العدل وحسب قدرات الأفراد وكفاءاتهم. فالعمل الجماعي المثمر لا يعني أبداً أن يتحمل الجميع الأعباء ذاتها، بل يعني أن يسهم كل فرد بما يتواءم مع طاقاته، بعيداً عن الاستغلال أو إثقل كاهل البعض بما يجاوز طاقتهم. علاوة على ذلك، فإن مواساة الزميل في ترحه، ومشاركته أطراح أفراحه، ومباركته إنجازه، والوقوف إلى جواره عند كبوته، كلها أفعال ترتقي بالانتماء وتؤسس للثقة وتجعل فريق العمل أكثر حيوية وإنتاجية.
وقد دلنا ديننا الحنيف على هذا المعنى الجليل، حيث ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ( أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم). وهذا إرشاد عظيم يرفع إدخال البهجة على الآخرين إلى مرتبة القيمة الإنسانية والعبادة التي نتتقرب بها إلى المولى عز وجل، لا مجرد مجاملات عابرة أو ذكاء اجتماعي كما يظن البعض.
ولا ينحصر الأثر على العاملين وحدهم، إذ إن البيئة الداخلية المزدهرة تنسحب على أسلوب تعاطي المؤسسة مع عملائها.
ومن خلال مشاهداتي للمتدربين في كلية التقنية بأبها وما ألمسه من شغف جلي ومشاعر إيجابية في سلوكياتهم، أدرك أن أحد الأسباب الجوهرية يكمن في المعاملة الاستثنائية والاحترافية العالية لطاقم العمل الذي يتواصل معهم.
فالموظف الذي يغمره الإحساس بالتقدير والسكينة النفسية غالباً ما يكون أقدر على الابتسام، وحسن الوفادة، وتقديم خدمة راقية. وعندما يلمس العميل الاهتمام والتقدير، تتصاعد معدلات رضاه ومعاودته التعامل مع المنجهة وولائه لسلعها وخدماتها.
فلنستحضر دائماً أن زميل العمل ليس مجرد شريك في مكان العمل، بل هو إنسان قد يكون مفتاحاً لراحتنا أو شقائنا. وربما تعجزنا القدرة عن تبديل كافة ظروف العمل، بيد أننا قادرون على أن نمثل الجزء الإيجابي والمشرق فيها. فالرضا الوظيفي ليس مناطاً بالإدارة وحدها، بل هو أمانة تقع على عاتق كل موظف يساهم في تشكيل يوم الآخرين.
ما أجمل أن نغدو بأماكن عملنا واحات للابتسام، والتكاتف، والتقدير، والإنسانية، فخلاصة الإنجازات المهنية ليست دوماً في الأرقام التي نحققها والتقارير التي نرفعها، بل فيما نتركه في دواخل بعضنا من أثر حسن.
حسن آل عمير


